في عالم يتسارع نحو المستقبل، ليست فكرة “التحكم في الدماغ” مجرد خيال علمي، بل أصبحت واقعا ملموسا بفضل التطورات المذهلة في التقنيات العصبية، فقد أصبح العلماء قادرين على تسجيل نشاط الدماغ وتحليله بطرق دقيقة قد تُحدث تحولا كبيرا في مجالات الطب والاتصالات والبحوث.
وتعمل هذه الواجهات عبر تسجيل النشاط العصبي في الدماغ باستخدام أقطاب كهربائية، ثم فك شفرات هذه الإشارات لترجمتها إلى أوامر حركية أو لغوية. ورغم أن الهدف الرئيسي لهذه التقنيات هو استعادة الوظائف الحيوية للأشخاص المصابين والمرضى، فإنها تمثل أيضا أداة قوية للباحثين لفهم آلية عمل الدماغ البشري.
ورغم الآفاق الجديدة التي تفتحها هذه التقنيات لفهم أعقد عضو في جسم الإنسان وتقديم علاجات ثورية، فإن هناك تحذيرات من مخاطرها، فقد حذرت مقررة الأمم المتحدة المعنية بالحق في الخصوصية، آنا نوغريس، من التهديدات التي قد تنجم عن تقنيات يمكنها تسجيل وفك تشفير وتعديل نشاط الدماغ. وترى أنه رغم الإمكانيات الهائلة التي توفرها هذه التقنيات في تحسين حياتنا اليومية، فإنها تفتح بابا أمام “مخاطر غير مسبوقة” مثل التلاعب بالدماغ والوصول غير المصرح به إلى أفكارنا وعملياتنا العقلية، مما يشكل تهديدا كبيرا للخصوصية.
والتقنيات العصبية هي مجموعة من الأدوات والتقنيات المتقدمة التي تتيح دراسة وفهم وتحفيز نشاط الدماغ البشري، وذلك عبر أجهزة متطورة مثل الواجهات الدماغية الحاسوبية وأجهزة التحفيز العصبي وأدوات تصوير الدماغ.
وتُستخدم هذه التقنيات في تطبيقات متنوعة، أبرزها في المجالات الطبية، حيث تُسهم في علاج اضطرابات عصبية مثل الشلل ومرض باركنسون والاكتئاب، كما تساعد في تحسين الوظائف الإدراكية وتعزيز القدرات الحسية والحركية.
وبالإضافة إلى ذلك، تُستخدم في مجالات أخرى مثل تطوير الذكاء الاصطناعي، وتعزيز التعلم، وحتى التحكم في الأجهزة عبر الإشارات العصبية، ما يفتح آفاقا جديدة للتفاعل بين الإنسان والتكنولوجيا.
ومع ذلك، فإن هذه الابتكارات تثير تحديات أخلاقية وقانونية تتعلق بالخصوصية، والأمان، وإمكانية التلاعب بالعمليات العقلية، وهو ما يستدعي ضرورة وضع ضوابط صارمة لضمان استخدامها بشكل مسؤول يخدم الإنسانية.
وتعتبر هذه التقنيات، رغم تحدياتها، من التطورات الكبيرة التي قد تكون لها تطبيقات عملية هامة في المستقبل، على سبيل المثال، قد تساعد واجهات الدماغ – الكمبيوتر غير الجراحية في تمكين الأشخاص الذين فقدوا القدرة على التحدث من التواصل بسهولة أكبر. ومن خلال فك شفرة الأنشطة الدماغية وتحويلها إلى نصوص أو كلمات، يمكن لهذه التقنيات أن تحسّن بشكل كبير نوعية حياة أولئك الذين يعانون من إعاقات جسدية أو عقلية.
ومع كل هذه الفوائد المحتملة، تظل هناك مخاوف بشأن الخصوصية والأمان، إذ يصبح من الضروري أن يتم تنظيم هذا المجال بعناية لضمان أن تُستخدم هذه التقنيات للأغراض المفيدة فقط، مع حماية حقوق الأفراد في الحفاظ على خصوصيتهم العقلية.
وأكدت آنا نوغريس في تقريرها الذي قدمته أمام الدورة الثامنة والخمسين لمجلس حقوق الإنسان، التي عقدت في جنيف، أنه مع تطور هذه التقنيات، تتطور التحديات الأخلاقية والقانونية التي تشكلها على حقوق الإنسان الأساسية، وخاصة الحق في الخصوصية. كما سلطت الضوء على فوائد ومخاطر التقنيات العصبية. وأكدت أنه على الرغم من أنها تقدم حلولا رائدة لعلاج الاضطرابات العصبية، وتحسين الوظائف الإدراكية، وتوسيع القدرات البشرية، إلا أنها تثير مخاوف جدية. وأشارت إلى قدرة التقنيات العصبية على فك تشفير نشاط الدماغ، مما يسمح بالوصول إلى “أكثر أفكار الفرد ومشاعره حميمية”.
وحذرت نوغريس من مخاطر استخدام التقنيات العصبية التي يمكنها تسجيل وفك تشفير وحتى تعديل نشاط الدماغ، مما قد يسمح بالوصول غير المصرح به إلى الأفكار والعمليات العقلية، والتلاعب بها أو إساءة استخدامها، على الرغم من كونها من أكثر المجالات خصوصية لدى الإنسان.
وخلال كلمتها أمام الدورة الثامنة والخمسين لمجلس حقوق الإنسان المنعقدة حاليا في جنيف، طالبت نوغريس بوضع ضمانات تكفل استخدام هذه التقنيات المتطورة لخدمة البشرية بدلا من استغلالها، داعية إلى اعتماد نهج يعطي الأولوية للكرامة والخصوصية والاستقلالية. وأشارت إلى أنه مع التطور السريع لهذه التقنيات، تتزايد التحديات الأخلاقية والقانونية التي تهدد حقوق الإنسان الأساسية، وعلى رأسها الحق في الخصوصية.
ودعت جميع الدول الأعضاء والمنظمات الدولية والجهات المعنية إلى العمل المشترك لاعتماد تدابير تنظيمية تعزز هذه المبادئ، قائلة “علينا أن نضمن أنه في سعينا نحو التقدم التكنولوجي، لا نتنازل عن جوهر ما يجعلنا بشرا: أفكارنا، وهويتنا، وإرادتنا الحرة.”
وفي تقريرها المقدم إلى المجلس، سلطت الخبيرة الأممية المستقلة الضوء على فوائد ومخاطر التقنيات العصبية، مبينة أنه رغم دورها الرائد في علاج الاضطرابات العصبية، وتحسين الوظائف الإدراكية، وتوسيع القدرات البشرية، فإنها تثير أيضا مخاوف جدية.
وأشارت في تقرير لها إلى أن هذه التقنيات قادرة على فك تشفير نشاط الدماغ، مما قد يسمح بالوصول إلى “أكثر أفكار الفرد ومشاعره حميمية” دون ضمانات مناسبة، ما قد يؤدي إلى مراقبة غير مصرح بها، أو حتى الإكراه. وأوضحت أن الحكومات أو الشركات أو جهات خبيثة أخرى قد تستغل هذه القدرة للتأثير على القرارات الشخصية والسلوكيات والأيديولوجيات، مما يهدد بشكل جوهري الاستقلالية الشخصية والسلامة العقلية.
وشددت نوغريس على ضرورة إرساء فئة جديدة من حقوق الإنسان تهدف إلى حماية كرامة الأفراد واستقلاليتهم في مواجهة هذه التقنيات الناشئة، مؤكدة أن تنظيم استخدام التقنيات العصبية ليس مجرد مسألة قانونية، بل هو ضرورة أخلاقية أيضا.
صحيفة العرب